ساسي سالم الحاج

10

نقد الخطاب الاستشراقي

حضارة جديدة عبارة عن أسطورة وهمية لا أساس لها من الناحية الواقعية طالما كانت هذه السيرة لم تسجل على وثائق مكتوبة أو مرسومة على آثار مقروءة بحيث يمكنهم التثبّت من صحتها والتحقق من مدى صدق المعلومات الواردة فيها . إن الإشارة إلى هذا السّيل من الشتائم والسباب التي يكيلها رجال الدين المسيحيون في القرون الوسطى ، ونظرتهم المتعصبة ضد السيرة النبوية تعطينا فكرة عن تلك العلاقة السّيئة التي تربط المسيحية بالإسلام . وتبرهن للقارئ المسلم على تلك النظرة المتحاملة على دينه ورسالة نبيّه من خلال حياته الذاتية والتي لم تنته فصولا إلى يوم الناس هذا . ونحن إذ ننقل للقارئ نماذج من هذه الترهات فإننا نريد أن يلم بهذا النوع من التفكير التعصبي المشوب بالعداوة والحقد الشديدين اللذين لم يسلم منهما حتى من اعتبروا أنفسهم من روّاد العلم الحاليين ومن طالبي الحقيقة العلمية دون سواها . فإذا كان القدماء يصفون النبوة ومقاييسها ومن يتحلّى بها بالصدق في القول ، لأن اللّه هو مصدر الصدق ولا يمكن أن يصدر عنه الكذب ، وبالطيبة والفضائل النبيلة ، وبالقدرة على الإتيان بالمعجزات ، وبالكتاب المقدس المتنزل عليهم من الملكوت الأعلى لإرشاد الأمم إلى عبادة اللّه الواحد الصمد ، فإن الكاتب الديني المتعصب « بدرو دي ألفونتو » يصف نبيّنا العربي بعدم قدرته على التنبؤ ، وأن كتابه الذي نزل عليه غير معزّز بالمعجزات ، وأنه شرّير وكاذب ، وكان ذا شهوات جامحة ، ومتعجرفا في الحياة بسبب نفوذه المغتصب « 1 » . وهؤلاء الكتّاب عندما يؤرخون لحياة الرسول المبكرة فإنهم يصفون ولادته بأوصاف ممقوتة لا تتفق وما تواتر لدينا من معارف ومعلومات نقلت إلينا من طريق الروايات الممحّصة . فهم يقولون عنه : إنه كان رديء الولادة والسمعة ، وإنه كان فقيرا ويتيما ومريضا ، وإنه كان قليل الشأن في قومه ، وإنه تلقى دينه من الرهبان النصارى كبحيرى وغيره ، وإن زواجه من خديجة كان من أجل المال ، وإنه بعد أن أصبح غنيّا أخذ يضع خططه المستقبلية للوصول إلى السلطة ، وإنه استطاع رويدا رويدا وبفضل المكر والخداع أن يدّعي النبوة ، ويفرض نفسه على قومه بقوة السلاح ، وأحاط نفسه

--> ( 1 ) NORMAN Daniel , Islam and the west , the Making of an Image . Edinburgh , 1980 . في مجلة الفكر ، العدد الثاني والثلاثون ، السنة الخامسة ، يونيه 1983 ، ص 274 .